محمد متولي الشعراوي
1114
تفسير الشعراوي
ونقول لهم أيضا : من الذي قهر وأجبر أول حامل للسيف أن يحمل السيف ؟ ! والمسلمون ضعاف ومغلوبون على أمرهم ، لا يقدرون على أن يحموا أنفسهم ، إنكم تقعون في المتناقضات عندما تقولون : إن الإسلام نشر بالسيف . ويتحدثون عن الجزية رفضا لها ، فنقول : وما هي الجزية التي يأخذها الإسلام من غير المسلمين كضريبة للدفاع عنهم ؟ لقد كان المسلمون يأخذون الجزية من البلاد التي دخلها الفتح الإسلامي ، أي أن هناك أناسا بقوا على دينهم . وما دام هناك أناس باقون على دينهم فهذا دليل على أن الإسلام لم يكره أحدا . وقول اللّه : « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » علته أن الرشد واضح والغىّ واضح ، وما دام الأمر واضحا فلا يأتي الإكراه . لأن الإكراه يأتي في وقت اللبس ، وليس هناك لبس ، لذلك يقول الحق : « قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » . وما دام الرشد بائنا من الغىّ فلا إكراه . لكن اللّه يعطيك الأدلة ، وأنت أيها الإنسان بعقلك يمكنك أن تختار ، كي تعرف أنك لو دخلت الدين لالتزمت ، وحوسبت على دخولك في الدين ، فلا تدخل إلا وأنت مؤمن واثق بأن ذلك هو الحق ؛ لأنه سيترتب عليه أن تقبل أحكام الدين عليك . « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » والرشد : هو طريق النجاة ، و « الغى » : هو طريق الهلاك . ويقول الحق إيضاحا للرشد والغى في آية أخرى من آيات القرآن الكريم : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ( 146 ) ( سورة الأعراف ) إن الحق يعلمنا أن المتكبرين في الأرض بغير حق لن يستطيعوا الفوز برؤية آيات اللّه ودلائل قدرته ، وحتى إن رأوا السبيل الصحيح فلن يسيروا فيه ، وإن شاهدوا طريق الضلال سلكوا فيه لأنهم يكذبون بآيات الرحمن ويغفلون عنها .